جنةٌ ... دندنَ حولها الأبطال
في معركة بدر
، يستنهض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الهمم ويدفع بالرجال لخوض غمار المعركة
بقوله : " قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض " .. فيتقد لذلك عمير بن الحمام
الأنصاري (رضي الله عنه) وبيده تمرات يأكلهن إذا ما جاعت البطن وفقد البدن قوته
لمواصلة المعركة .. ولكنها الجنة .. فآثر الجنة على التمرات وقال : بخ بخ ، لئن أنا
حيت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة .. ورمى بالتمرات وقاتل حتى استشهد .
موقف آخر
لشيخ مجاهد من شيوخ الصحابة ، إنه عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) .. ففي حوار
هادئ يمتلئ بالروحانية الصادقة التي لا غموض ولا خداع فيها مع ولده الوحيد جابر ..
يقول الابن البار : أبتي ، أنت شيخ كبير وقد عذرك الله ، أنا أخرج مكانك .. فيجيب
الأب : إنها الجنة يا بني ، ولو كانت غيرها لآثرتك فيها .
وموقف مجاهدة
من أم عمارة يوم اُحد ، إذ يحيط جنود الشيطان برسول الله (صلى الله عليه وسلم)
لقتله ، فإذا بهذه المجاهدة تهرول مسرعة للذب عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ،
فيقول لها الحبيب (صلى الله عليه وسلم) : " من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟ "،
فقالت : أطيق وأطيق يا رسول الله ، ولكني أسالك رفقتك في الجنة .
إنها الجنة
يا أحباب الله .. يا من اخترتم طريق الجهاد .. تدفع بأصحاب محمد (صلى الله عليه
وسلم) رجالهم ونساؤهم وصغارهم لخوض غمار المعارك ، وتحمل بارقة السيوف وضربات الهام
وفعل العجائب التي تبيض وجوه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ..
الجنة ..
سلعة الله الغالية لمن جاهد بماله ونفسه ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي
التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ
فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ ) التوبة : 111 .
وكل شيء يهون
ما دام الجزاء الجنة .. " وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " ( إِنَّمَا
يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر : 10 ..
الجنة فيها
ما لا عين رات ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فيه الشجرة الواحدة يسير الراكب
في ظلالها وقطوفها الدانية أربعين عاماً لا يقطعها ، للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤ ،
لبناتها الذهب والفضة ، لهم فيها لحم طير مما يشتهون ، ولهم فيها زوجات من الحور
العين ، الكواعب الأتراب ، وللشهيد ثنتان وسبعين زوجة من الحور .. يرى المؤمن
المجاهد عظُم ساقها من وراء اللحم ، بل ويرى ملامح وجهه إذا ما نظر في وجهها وكأن
وجهها مرآة ، وأن نصيفها ليضئ لاهل الدنيا ليلهم فيصبح نهاراً ..
جنة الجار
فيها أحمد (صلى الله عليه وسلم) .. غراسها " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا
الله والله أكبر " ، أرضها المسك والزعفران ، ويكشف لأهل الدرجات العلى في الجنة من
فوقهم وجه الله العظيم ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ _ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ
) القيامة : 22-23 .
أهل الجنة
يومئذ في نعيم لا يدنيه نعيم .. ما مر بالمؤمن في الدنيا من ضيق وكرب وشدائد وبأس
وضراء ، كل ذلك مر عليه في سنوات عمره الطويلة ، لو أنه غمس غمسة في نعيم الجنة
لحظة واحدة وساله الله (سبحانه وتعالى) : هل مر بك بأس قط ؟ فيجيب ذلك المؤمن
المتنعم بنعيم الجنة للحظة : لا يا رب ، ما مر بي بأس في الدنيا .
غمسة واحدة ،
تنسيك محناً أتعبتك في الدنيا ، بل وأقعدت العقلاء .. غمسة أنستك رباك ليلة أو
ليلتين أو قل ليالي طوالاً .. غمسة أنستك صنيع الميليشيات الطائفية ، أنستك صنيع
المحتل في أرض بلادك ، أنستك كدر الدنيا وسوء خلق أهلها وجفاء الأصحاب أحياناً ..
ولكن مقابل
هذا النعيم الواسع : أين أنت من جهاد الصحابة (رضي الله عنه) ؟ هذا الذي يربط على
بطنه الحجر والحجرين من شدة الجوع ويصبر لأن الثواب الجنة ، وذلك الذي يسهر ليلة
ويقطع نومه والثواب الجنة ، وآخر يقطع السهول والوديان والبحار والجبال لينفع أرضاً
تعبد الله (سبحانه وتعالى) ويعبر على الأذى والجزاء الجنة ، وذلك الذي يتحمل من يشق
جسده فيفرقه نصفين لأن وراءه الجنة.
ألقي ابن
تيمية - رحمه الله - في سجن القلعة ظناً من الأعداء أنه سيضعف ويرجع عن ثباته فاذا
به يقول :
ما يصنع
أعدائي بي ، فإن جنتي وبستاني في قلبي ، وقلبي بين يدي ربي .. إن حبسوني فهي خلوة
مع الله ، وإن قتلوني فهي شهادة ، وإن نفوني فهي سياحة ..
نعم ، إنها
جنة الدنيا ( الأنس بالله ) ، ومن لا يدخل جنة الدنيا لن يدخل جنة الآخرة ، حتى
يذكر المؤرخون أن آخر عهد ابن تيمية في هذه الدنيا وهو سجين كان يردد ( إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ
مُّقْتَدِرٍ ) القمر :54-55 ، ثم فارقت روحه إلى باريها .
وهذا أبو
مسلم الخولاني يضع سوطاً على حائط داره ، يقوم الليل ، فإذا ما وجد فتوراً في
عبادته قام إلى سوطه ويضرب بساقه قائلاً : أيظن أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم)
أنهم لم يخلفوا بعدهم رجالاً ؟؟ والله لنزاحمهم على محمد (صلى الله عليه وسلم) على
الركب ؟
وهذا أمير
المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يولي أبا عبيدة على الشام ، حتى إذا
ما مرت الأيام والشهور على تلك الولاية المباركة يأتي أمير المؤمنين عمر الفاروق (رضي
الله عنه) ليتفقد أموال الشام فيطلب من أميرها أبو عبيدة بأن يذهب إلى داره فيقول
أبو عبيدة : ما تريد إلا أن تعصر عينيك يا أمير المؤمنين ، قال عمر : إن كان ولا بد
.. يريد سيدنا عمر أن يتفقد حال داره ودار أمين الأمة .. فإذا بهما يدخلان الدار
فيجول عمر بنظره عينه يمنة ويسرة فلا يرى إلا حصيرة أكلتها الأرض ، فيسال عمر : أبا
عبيدة ، أين متاعك ؟ قال : أعددناه لدار في الآخرة .. قال عمر : وأين طعامك ؟ فيذهب
أبو عبيدة فيأتي بكسيرات خبز يابسة فيقول عمر : أهذا طعامك ؟ قال أبو عبيدة : بلى
يا أمير المؤمنين ، فتخرج الدموع من عيني الفاروق ويقول : لقد غيرتنا الدنيا وما
غيرتك يا أبا عبيدة .
إنها الجنة
.. سلعة الله الغالية ، فأين المشمرون ؟ وأين فرسان النهار ورهبان الليل ؟ ( وَفِي
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) المطففين : 26 .